ما وراء قرارات الرئيس الأمريكي الاقتصادية؟

ما وراء قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاقتصادية؟

ما حقيقة العقوبات الاقتصادية الامريكية ورفع قيمة الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة من الخارج؟ وماهو أثرها على الاقتصاد الامريكي أولا وعلى الدول التي تفرض عليها ثانياً؟

كل من يتابع قرارات الحكومة الامريكية منذ استلام الرئيس دونالد ترامب لرئاسة البيت الأبيض، يتضح له بشكل جلي أنه يركز على الاقتصاد، بل ويستعمله كسلاح حقيقي في وجه الحلفاء و الأعداء على حد سواء، فلماذا هذه السياسة تتبع الآن؟ وماذا تخفي وراءها؟ و ماذا يعني شعار أمريكا أولاً؟

إن العجز في الموازنة الأمريكية وحجم الدين العام ونسبته لصافي الدخل القومي هما السر الخفي وراء هذا النهج الاقتصادي الجديد للولايات المتحدة الأمريكية، والتي لم يأتي على ذكرها الرئيس دونالد ترامب حتى الآن بشكل صريح.

ماهي الموازنة الفيدرالية؟ ما هو عجز الموازنة؟ وكم قيمته في الولايات المتحدة؟

الموازنة الفيدرالية أو الحكومية لأي بلد: هي عبارة عن ورقة اقتصادية تحوي عنصرين رئيسيين فقط (النفقات والإيرادات) وهي تشرح وتوضح الإنفاق العام على القطاعات الاقتصادية المختلفة ومصادر تمويلها. وبصيغة أُخرى كم هي مصاريفنا كحكومة! ومن أين نأتي بالأموال اللازمة لكي ننفق في الشأن العام، حيث أن الضرائب والرسوم تعتبر المصدر الرئيسي للدخل في الولايات المتحدة الأمريكية.

تحوي الموازنة الفيدرالية على نوعين من الإنفاق الأول يدعى “الإنفاق التقديري” (الدفاع الوطني، التعليم، النقل) وعادة ما يتم تخصيص اعتمادات سنوية لها في الكونغرس. والنوع الثاني هو “الإنفاق الإلزامي”، و من أكبر برامجه برنامج الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية، وهذه البرامج  تعتمد بشكل أوتوماتيكي بموجب صيغ محددة بشكل مسبق في القانون الأمريكي حيث لا توجد مساحة كافية لمناقشتها، و تعتبر الفوائد المترتبة على الدين العام من المصاريف الإلزامية.

تجدر الملاحظة أنه تم تخفيض الإنفاق التقديري بشكل مطرد كنسبة من الموازنة وهو يشكل الآن أقل من ثلث الإنفاق الفيدرالي الأمريكي. وقد بلغ إجمالي الإنفاق العام في موازنة 2017 حوالي 3.98 تريليون دولار (التريليون يساوي ألف مليار).

العنصر الثاني من الموازنة الفيدرالية هو إيراداتها، معظم إيرادات الحكومة تأتي من الضرائب التي يدفعها الأميركيون على دخلهم، مثل ضريبة الدخل الفردي والضرائب على الرواتب (بما في ذلك الضمان الاجتماعي، تأمين مستشفى الرعاية الطبية، والتأمين ضد البطالة) هي أكبر مصادر الإيرادات للحكومة، أما ضرائب الدخل على الشركات فتعد مصدر الدخل الثالث للخزينة الأمريكية، وقد بلغت إجمالي الإيرادات لموازنة عام 2017 تقريبا 3.32 تريليون دولار.

العجز في الموازنة السنوية

عندما لا تتطابق نفقات الحكومة السنوية مع إيراداتها أي عندما تكون النفقات أكبر من الإيرادات يتوجب على الحكومة أن تقترض المال لتعويض الفارق ومن هنا ينشأ الفرق أي العجز السنوي في الموازنة الفيدرالية والبالغ  666 مليار دولار لعام 2017 وحدها.

طبعا تلجأ حكومة الولايات المتحدة الى الاقتراض الداخلي بشكل عام لتغطية العجز في الموازنات السنوية وذلك عن طريق إصدار سندات الحكومة الفيدرالية وما شابه من أدوات الدين المالي المختلفة إلى أن بلغ حجم الدين العام الإجمالي لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية إلى 21427 مليار دولار.

وبحسب نتائج الدراسات الاقتصادية الأمريكية فإن الولايات المتحدة تحتاج الى 12 جيل لكي تستطيع تسديد الدين العام المتراكم على حكومتها  المذكور أعلاه، هذا إن بقيت نسب نمو الاقتصاد الأمريكي والبالغة حوالي 4% على حالها.

فيما يلي جدول يبين عجز الولايات المتحدة منذ عام 2010 مقارنة مع زيادة الدين والعجز / الناتج المحلي الإجمالي

السنة الماليةالعجز (بالمليارات)زيادة الديون (بحلول السنة المالية)العجز / الناتج المحلي الإجمالي
2010$1,294$1,905 8.6%
2011$1,300$1,229 8.3%
2012$1,087$1,276 6.7%
2013$679$672 4.0%
2014$485$1,086 2.7%
2015$438$327 2.4%
2016 $585$1,423 3.1%
2017$665$672 3.4%
2018 (est)$833NA NA

إذا حكومة الولايات المتحدة الأمريكية مدينة و بمبالغ ضخمة، وشعبها مغرق في الديون، لأنه كان يعيش في رفاهية مزيفة، ويصرف أكثر مما ينتج وهذه السياسات الاقتصادية التي تنتهجها حكومة الولايات المتحدة برئاسة الرئيس دونالد ترامب، ورفع شعار أمريكا أولا هدفها الحفاظ على الولايات المتحدة وتخفيض العجز في الموازنات السنوية للحكومة الأمريكية مما سيؤدي إلى تقليص الدين العام الذي تكلمنا عنه.

في رأينا هذه السياسات لن تفيد الاقتصاد الامريكي في شيء، و ستؤدي إلى رفع تكاليف الإنتاج في الولايات المتحدة على المدى القريب والمتوسط مما سينعكس سلباً على نمو الاقتصاد الأمريكي، خاصة عندما ستقوم الدول المتضررة من هذه السياسات بفرض إجراءات مماثلة ضد الولايات المتحدة الأمريكية مثلما فعلت دول مثل الصين، الاتحاد الأوروبي و تركيا.

إن الحل الأمثل للولايات المتحدة والذي يساعدها على تقليص العجز في الموازنة، و يساهم بتخفيض الدين العام الأمريكي يتمثل في ترشيد الإنفاق بشكل عام والعسكري بشكل خاص، وهذا لن تقبل به الحكومة الأمريكية الحالية بشكل مؤكد لأنها زادت من حجم الإنفاق العسكري بدلا من تخفيضه أو تركه عند المستوى القديم، وكذلك لأنها تريد أن تحافظ على مكانتها كأقوى قوة عسكرية على وجه الأرض، ولهذا السبب لجأت الى الحلول الاقتصادية العقابية حتى مع حلفائها الاستراتيجيين لكي تدعم اقتصادها، حتى على حساب حلفائها.

أما الدول المتضررة من هذه السياسات الإقتصادية فإنها ستلجأ إلى البحث عن أسواق بديلة عن السوق الأمريكي لأن منتجاتها لم تعد تملك قدرة تنافسية تمكنها من البقاء في السوق الإمريكي بعد فرض الإجراءات الحمائية الجمركية من قبل إدارة الرئيس دونالد ترامب، و هذا ليس بالشيء السهل واليسير لأن سوق الولايات المتحدة يعتبر أكبر سوق استهلاكي في العالم وهو محط أنظار كبرى الشركات العالمية، ومعظم دول العالم.

كلمة أخيرة لا بد من قولها، إن هذه الأوضاع الإقتصادية والسياسية الدولية تشابه إلى حد بعيد الظروف التي سادت قبل الحرب العالمية الثانية، حيث سادت الصراعات السياسية والاقتصادية بين الدول الكبرى وسط فوضى وكساد اقتصادي كبير عرف آنئذ باسم الكساد الكبير.

ترى هل يعيد التاريخ نفسه، أم أن حلولا سياسية و تفاوضية يمكنها أن تحل تلك المشاكل الاقتصادية والسياسية حول العالم دون اللجوء الى حرب عالمية ثالثة لا تبقي ولا تذر، تحرق الأخضر واليابس.

المصادر:

تم الاستناد على المصادر التالية في الأرقام والإحصائيات بناءً على تاريخ نشرها، قد يقوم المصدر بتحديث المعلومات فيما بعد دون أن يتم تحديثها ضمن المقال.

اترك تعليقاً

كيف نستطيع أن نساعدك؟

إن كنت تبحث عن حلول أعمال وخدمات محاسبة متميزة أو بحاجة إلى خدمات تسويق إلكتروني.